proo-star
أهلا وسهلا بك ضيفنا الكريم، إذا كانت هذه زيارتك الأولى للمنتدى، فيرجى التكرم بزيارة صفحةالتسجيل كما يشرفنا اد كنت عضو في المنتدى
أن تشارك معنا بعم الفائدة لكل الزوار والاعضاء


مرحبا بك يا (زائر) في منتدي برو ستار نتمني ان تقضي وقتاً ممتعاً معنا
 
الرئيسيةاليوميةبحـثالمجموعاتدخولالتسجيل
المواضيع الأخيرة
» طلبات نصائح تجميع الأجهزة وأسعارها
من طرف Mr.admin الثلاثاء أكتوبر 27, 2015 5:38 pm

» عطور فرنسيه عرض بقيمة 290 ريال حصريا و لفتره محدوده
من طرف ملاك العسوله الإثنين يوليو 13, 2015 4:30 pm

» منتدى انور ابو البصل الاسلامي يتشرف بانتسابكم اليه
من طرف صبر جميل الأربعاء يونيو 17, 2015 6:12 am

» تلخيص روايات اللغة الفرنسية للسنة الأولى باكالوريا
من طرف Mr.admin السبت سبتمبر 27, 2014 6:32 pm

» بمناسبة الدخول المدرسي : رسالة الى طلاب العلم
من طرف Mr.admin السبت سبتمبر 20, 2014 7:14 pm

» مواعيد الامتحانات الإشهادية للموسم الدراسي 2014-2015 بالمغرب
من طرف Mr.admin السبت سبتمبر 20, 2014 7:12 pm

» كيف تقوي ذاكرتك ؟
من طرف Mr.admin السبت سبتمبر 20, 2014 7:11 pm

» غيابهم لا يعني اختفاؤهم !...
من طرف Mr.admin الخميس سبتمبر 18, 2014 10:22 am

» حرب اللّباس
من طرف Mr.admin الخميس سبتمبر 18, 2014 10:20 am


شاطر | 
 

 رسالة في الدعوة إلى الله .. للشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى .

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
الناصح الأمين

avatar

الدولة : الكويت

الخنزير
عدد المساهمات : 11
تاريخ التسجيل : 04/07/2013
العمر : 23
الموقع : awsat.forumarabia.com

مُساهمةموضوع: رسالة في الدعوة إلى الله .. للشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى .   الثلاثاء يوليو 23, 2013 6:08 am



سلسلة مؤلفات فضيلة الشيخ ( 75 ) :







~ رسالة في الدعوة إلى الله ~





لفضيلة الشيخ العلامة


محمد بن صالح العثيمين


غفر الله له و لوالديه و للمسلمين





................................................





بعون الله و توفيقه


طبع هذا الكتاب عدّة طبعات منذ إلقاء هذه المحاضرة عام 1397 هـــ





................................................





الطبعة 1424 هـــ





طبع بإشراف مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية


مدار الوطن للنشر - الرياض










ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ










بسم الله الرحمن الرحيم







(( المقدّمة )) ( 1 )







الحمد لله ، نحمده و نستعينه و نستغفره و نتوب إليه ، و نعوذ بالله من شرور أنفسنا و من سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضلّ له ، و من يضلل فلا هادي له ، و أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له ، و أشهد أنّ محمّداً عبده و رسوله ، صلى الله عليه و على آله و أصحابه و من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين و سلّم تسليماً .







و بعد :







فإنّ مقام الدعوة إلى الله تعالى مقام عظيم ، و مرتبة عالية ؛ لأنه مقام صفوة خلق الله تعالى من الرسل الكرام و خلفائهم الراشدين الذين خلفوهم في العلم بالحق ، و العمل به ، و الدعوة إليه ، فجدير بنا أن نولي هذا المقام مجهودنا ، و نسعى فيه السعي اللائق مخلصين لله في ذلك ، متَّبعين لرسوله محمّد صلى الله عليه و سلّم ؛ ليكون سعينا مشكوراً مقبولاً .







و هذه كلمات في هذا المقام رتَّبتها في الفصول الآتية :





الفصل الأول : في وجوب الدعوة إلى الله و بيان فضلها .





الفصل الثاني : في وسائل الدعوة إلى الله و كيفيّتها .





الفصل الثالث : في مجال الدعوة إلى الله تعالى .





الفصل الرابع : فيما ينبغي أن يكون عليه الداعي من صفات و أعمال .





الفصل الخامس : في أسباب نجاح الدعوة .







و الله الموفق





المؤلف








ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ








~ الفصل الأول ~





{ في وجوب الدعوة إلى الله تعالى و بيان فضلها }







الدعوة إلى الله تعالى دعوة خير و حق ؛ لأنها دعوة إلى العدل و الإحسان ، دعوة إلى ما تقتضيه الفِطَر السليمة و تستحسنه العقول الخالصة ، و تركن إليه النفوس الزكيّة .








فهي دعوة إلى الإيمان بالله تعالى ، و إلى كل عقيدة سليمة ، يطمئن إليها القلب ، و ينشرح بها الصدر ، دعوة إلى توحيد الله في ربوبيّته و ألوهيّته و أسمائه و صفاته ، دعوة إلى اليقين بأنه سبحانه واحد في ربوبيّته لا شريك له ، فلا خالق و لا مدبّر و لا متصرّف في هذا الكون تصرّفاً مطلقاً إلّا الله وحده ، و بهذا اليقين ينقطع تعلّق القلب بغير الله تعالى ، و يكون الخوف و الرجاء و التوكل خاصًّا بالله عز و جل ، دعوة إلى اليقين بأنه لا حاكم على العباد و لا بين العباد إلّا الله وحده فيما يقضي به من أقدار ، و ما ينزله من شرائع ، و بهذا اليقين ينقطع التحاكم إلى غير شرع الله ، و ينبذ كل حكم خالف حكم الله و رسوله ؛ لأن كل حكم خالف ذلك ؛ فهو ظلم و باطل نتيجته فساد البلاد و العباد .. (( وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ )) ( المائدة : 50 ) .







و بهذا اليقين يذعن العباد لأحكام الله الشرعية ، و ينفذونها على ما أراد الله بها سواءً وافقت أهواءهم أم خالفتها ، كما أنهم مذعنون لأحكام الله القدرية ، فقضاؤه نافذ فيهم ، و هم مستسلمون له رضوا ذلك أم كرهوه . (( أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ وَ لَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَ الْأَرْضِ طَوْعاً وَ كَرْهاً وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ )) ( آل عمران : 83 ) .








و الدعوة إلى الله تعالى دعوة إلى عبادة الله وحده إيماناً و يقيناً بأنه لا يستحق العبادة أحد سواه ، لا ملك و لا نبي و لا ولي و لا غيرهم ؛ لأن الله هو الخالق وحده فيجب أن يكون هو المعبود وحده .







و الدعوة إلى الله دعوة إلى الإيمان الجازم بكل ما ثبت لله تعالى من أسماء أو صفات من طريق كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه و سلم ، و أنها كلها صفات حقيقية ثابتة له على الوجه اللائق به من غير تحريف و لا تعطيل و لا تكييف و لا تمثيل : (( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ )) ( الشورى : 11 ) .







و الدعوة إلى الله تعالى دعوة إلى اتباع الصراط المستقيم ، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين و الصديقين و الشهداء و الصالحين ، صراط الله الذي وضعه لعباده موصلاً إليه و مصلحاً لأمور دينهم و دنياهم . و بهذا الاتباع تنقطع طرق الابتداع التي يضلل مبتدعوها بعضهم بعضاً ، و تتفرّق بهم الأهواء عن دين الله و يتبعون غير ما أمرهم به مولاهم في قوله تعالى : (( وَ أَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَ لَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ )) ( الأنعام : 53 ) . و يقعون فيما نهاهم الله عنه من التفرّق ، حيث يقول سبحانه : (( شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَ مَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَ مُوسَى وَ عِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَ لَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ )) ( الشورى : 13 ) .







و الدعوة إلى الله تعالى دعوة إلى مكارم الأخلاق ، و محاسن الأعمال ، و حفظ الحقوق ، و إقامة العدل بين الناس بإعطاء كل ذي حق حقه و تنزيله من المنازل فيما استحقه ، و بذلك يتحقق الإخاء و المودة بين المؤمنين ، و يستتب الأمن التام ، و النظام الكامل داخل إطار شريعة الله سبحانه و تعالى ، و تضمحل كل الأخلاق السافلة و الأعمال السيئة و النظم الجاهلية المستمدة من القوانين الوضعية و العقائد الباطلة ، و يذل كل من قاموا بها و دعوا إليها ، و أرادوا صد عباد الله عن سبيله إليها .







و من أجل هذه الأمور و أضعافها ، و أضعاف أضعافها من المصالح و درء المفاسد ؛ صار للدعوة إلى الله تعالى مقام عظيم في الإسلام ، و صار القائمون بها وارثين للرسل الكرام في ذلك ، و جاءت في الأمر بها و بيان فضلها نصوص الكتاب و السنة :





قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه و سلم : (( لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَ ادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ )) ( الحج : 67 ) ، و قال تعالى : (( وَ لَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَ ادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَ لَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ )) ( الحج : 78 ) .





و قال سبحانه : (( شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَ مَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَ مُوسَى وَ عِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَ لَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَ يَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ ( 13 ) وَ مَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَ لَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وِ إِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ ( 14 ) فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَ اسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَ لَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَ قُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنْ كِتَابٍ وَ أُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمْ )) ( الشورى : 13 - 15 ) .





و قال تعالى : (( وَ لْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 104 ) وَ لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَ اخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ )) ( آل عمران : 104 ، 105 ) .





و قال تعالى : (( وَ مَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللهِ وَ عَمِلَ صَالِحاً وَ قَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ )) ( فصلت : 33 ) .







و في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أنّ النبي صلى الله عليه و سلم بعث معاذاً إلى اليمن و أمره أن يدعوهم إلى الإسلام و الصلاة و الزكاة ( 2 ) ، و عن سهل بن سعد رضي الله عنه و أرضاه أنّ النبي صلى الله عليه و سلم قال لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه و أرضاه يوم خيبر : (( اُنْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ وَ أَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ اللهِ تَعَالَى فِيهِ ، فَوَاللهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلاً وَاحِداً خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ )) ( 3 ) متفق عليه .








و عن تميم بن أوس الداري رضي الله عنه و أرضاه أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : (( الدِّينُ النَّصِيحَةُ . قُلْنَا : لِمَنْ يَا رَسُولَ اللهِ ؟ قَالَ : للهِ وَ لِكِتَابِهِ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَ عَامَّتِهِمْ )) ( 4 ) رواه مسلم .








و الدعوة إلى الله تعالى من النصيحة لله سبحانه ، و عن أبي هريرة رضي الله عنه و أرضاه أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : (( مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلَ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئاً ، وَ مَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ مِثْلَ آثَامِ مَنِ اتَّبَعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئاً )) ( 5 ) رواه مسلم .










فهذه الآيات و الأحاديث تدل على وجوب الدعوة إلى الله تعالى و فضلها ، و ذلك لما يترتب عليها من تبليغ شريعة الله و حفظها ، و حصول المصالح العظيمة للخلق في معاشاهم و معادهم و دينهم و دنياهم ، و اندفاع الشرور العظيمة عنهم إذا هم قبلوها و عملوا بها ، و الله الموفق .










 


~ الفصل الثاني ~





{ في وسائل الدعوة إلى الله و كيفيّتها }







أعني بوسائل الدعوة الطرق التي يتوصل بها الداعي إلى تبليغ دعوته ، و هي ثلاثة أنواع و لكل نوع ميزة خاصة به .







النوع الأول :





المشافهة المباشرة بأن يقابل الداعي المدعوّين و يخاطبهم وجهاً لوجه ، فيبيّن لهم حقيقة ما يدعوهم إليه و فضائله و ثمراته الطيبة المشهودة و الموعودة ، و ميزة هذا النوع أنّ الداعي يعرف مدى قبول المدعوّين ، و انشراح صدورهم للدعوة من ملامح وجوههم ليعاملهم بما تقتضيه حالهم ، و يتمكن من المحاورة بينهم و بينه حتى يصل بهم إلى حال القبول و الاقتناع و هو أبلغ في الغالب تأثيراً ممّا بعده .







النوع الثاني :





المشافهة غير المباشرة كالتي تحصل بواسطة المذياع ، و ميزة هذا النوع أنها أعمّ ممّا قبلها و أشمل من حيث إنها تصل إلى ما لا يُوصَل إليه بالمشافهة المباشرة .







النوع الثالث :





الكتابة عن طريق التأليف و النشر في الصحف و المجلات و اللافتات و غيرها ممّا يناسب ، و ميزة هذه أنها تمكِّن المدعوّين من إدراك ما يُدعى إليه بالقراءة مرّةً بعد أخرى و التمعُّن في فضائله و ثمراته .







و أمّا كيفيّة الدعوة إلى الله - أعني من حيث الخطاب بها - فتختلف بحسب حال المدعوّ و له ثلاث حالات :







الأولى : أن يكون راغباً في الخير مقبلاً عليه لكنه قد يجهله و يخفى عليه ، فهذا يكفي في حقه مجرّد الدعوة مثل أن يُقال له : هذا ممّا أمر الله به و رسوله فَافْعَلْهُ ، أو هذا ممّا نهى الله عنه و رسوله فَاجْتَنِبْهُ . و هو من أجل رغبته في الخير و إقباله عليه سيقبل و يطيع .







الحال الثانية : أن يكون عنده فتور و كسل عن الخير ، أو إقبال و رغبة في الشر ، فهذا لا يكفي معه مجرّد الدعوة ، بل لا بدّ أن يضاف إليها موعظة حسنة بالترغيب في الخير و الطاعة ، و بيان فضل ذلك و حسن عاقبته ، و ضرب الأمثال في العواقب الحميدة ، و موعظة حسنة بالترهيب من الشر و الفسوق ، و بيان إثم ذلك و سوء عاقبته ، و ضرب الأمثال في العواقب السيئة للفاسقين (( ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللهِ وَ كَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ )) ( الروم : 10 ) .







الحال الثالثة : أن يكون عنده إعراض عن الخير و اندفاع إلى الشر و محاجَّة في ذلك ، فهذا لا يكفي في حقه مجرّد الدعوة و الموعظة ؛ بل لا بدّ أن يضاف إليها مجادلته بالتي هي أحسن ، أحسن في المجادلة ، و أحسن في بيان الحق ؛ لتندحض حجته و تبطل طريقته ، و إلى هذه الأحوال الثلاث يشير قوله تعالى : (( اُدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَ جَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ )) ( النحل : 125 ) .







قال شيخ الإسلام ابن تيمية : الناس ثلاثة أقسام : إمّا أن يعترف بالحق و يتبعه ؛ فهذا صاحب الحكمة ، و إمّا أن يعترف به لكن لا يعمل به ؛ فهذا يوعظ حتى يعمل ، و إمّا أن لا يعترف به ؛ فهذا يُجادَلُ بالتي هي أحسن ؛ لأن الجدال فيه مظنَّة الإغضاب ، فإذا كان بالتي هي أحسن حصلت منفعته بغاية الإمكان كدفع الصائل . ( الفتاوى : 2 / 45 ) .







فإن سلك المدعوّ بعد الجدال بالتي هي أحسن سبيل العدل و اعترف بالحق و أذعن له و إلّا انتقلنا معه إلى :







الحالة الرابعة : التي أشار إليها قوله تعالى (( وَ لَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ )) ( العنكبوت : 46 ) .





قال ابن كثير رحمه الله تعالى : أي حادوا عن وجه الحق و عموا عن واضح المحجّة و عاندوا و كابروا ، فحينئذ ينتقل من الجدال إلى الجلاد و يقاتلون بما يمنعهم و يردعهم . اهـــ .







و هذه الحالة الرابعة قد لا تكون من وظائف الأفراد غير ذوي السلطة ، لأن سلوك الأفراد لها إذا لم يكونوا من ذوي السلطة يحدث من الفوضى ما يكون فيه ضرر كثير و فساد كبير .








هذه كيفيّة الدعوة من حيث الخطاب بها يُنْظَرُ فيها إلى حال المدعوّ باعتبار تهيُّئِهِ لقبولها أو رفضها .







أمّا كيفيّة الدعوة من حيث ترتيب ما يُدعى إليه ؛ فيبدأ بالأهم فالأهم ، و بالأسس التي تكون كالمقدّمات لما بعدها ، و ينتقل بالمدعوّ إليها مرحلةً مرحلةً .








مثال ذلك : إذا أردنا أن ندعو شخصاً ينكر وجود الخالق سبحانه للإقرار به و عبادته و اتباع رسوله ، فإننا نبدأ معه بإثبات وجود الخالق ، و ذلك بسياق الأدلة العقلية و ضرب الأمثلة الحسية على وجود الخالق سبحانه حتى يقر و يعترف به ، و بأنه وحده الخالق لا شريك له .








ثم ننتقل به إلى إثبات ألوهيته و وجوب عبادته ؛ لأن إقراره بالربوبية يستلزم إقراره بالألوهية ، و لذلك يرتبه الله عليه في القرآن كثيراً كقوله تعالى : (( يَأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ )) ( سورة البقرة : 21 ) ، و ينكر سبحانه على من أشرك به من لا يخلق كقوله تعالى : (( أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئاً وَ هُمْ يُخْلَقُونَ )) ( الأعراف : 191 ) ، و قوله تعالى : (( وَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَ هُمْ يُخْلَقُونَ وَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَ لَا نَفْعاً وَ لَا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَ لَا حَيَاةً وَ لَا نُشُوراً )) ( الفرقان : 3 ) .







ثم ننتقل به إلى إثبات الطريق إلى عبادته و وجوب سلوكها و هي طريق الرسل الذين أرسلهم الله تعالى إلى الخلق و أيّدهم بالآيات ؛ ليعلّموا الخلق ما ينفعهم من أمور الغيب ، و يبيّنوا لهم كيف يعبدون الله عزّ و جلّ ، لأن العبادة حق الله تعالى أوجبه على عباده على الوجه الذي يرضاه عنهم ؛ و لا يمكنهم معرفة ذلك إلّا عن طريق الرسل ، فإذا أقرَّ بأنه لا بدّ في عبادة الله من طريق يسير عليه - و لا يمكن معرفة ذلك إلّا عن طريق الرسل - انتقلنا به إلى طريق أخص و هو طريق الرسول المعين الذي يجب اتباعه و هو رسول الله محمد بن عبد الله القرشي الهاشمي المبعوث إلى الناس كافة ، و نبيّن له الآيات الدالة على ذلك ، و أنّ الإيمان به يتضمّن الإيمان بمن سبقه من الرسل و لا عكس ، فإذا أقرّ بذلك ؛ انتقلنا به إلى التفصيل فيما جاءت به شريعة النبي صلى الله عليه و سلم ليقرّ به و يلتزم العمل بادئين بالأهم فالأهم ؛ كالصلاة ثم الزكاة و هكذا .








 


~ الفصل الثالث ~





{ في مجال الدعوة إلى الله }







نعني بمجال الدعوة إلى الله تعالى ميادينها المختلفة ، فإن الدعوة إلى الله ليست محصورة في ميدان معيّن ؛ بل لها ميادين عديدة منها :





1- الاتصالات الشخصية بحيث يقصد الداعي إلى شخص ما فيدعوه إلى الله تعالى بحسب الكيفية السابقة في الفصل الثاني خطاباً و ترتيباً .







2- الأماكن العامة كالمساجد و التجمعات ؛ كمواسم الحج و الأندية و المقاهي و المطاعم و نحو ذلك حسبما تقتضيه المصلحة و تتطلبه الحاجة ، و لهذا كان النبي صلى الله عليه و سلم يعرض نفسه على القبائل في مواسمها و أسواقها و يدعوهم إلى الله عز و جل ، فقد روى الإمام أحمد رحمه الله عنه عن ربيعة بن عبّاد الديلي قال : رأيت النبي صلى الله عليه و سلم في سوق ذي المجاز و هو يقول : (( يَأَيُّهَا النَّاسُ ، قُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ تُفْلِحُوا )) ( 6 ) ، و من حديث جابر قال : كان النبي صلى الله عليه و سلم يعرض نفسه على الناس في الموقف فيقول : (( هَلْ مِنْ رَجُلٍ يَحْمِلُنِي إِلَى قَوْمِهِ فَإِنَّ قُرَيْشاً مَنَعُونِي أَنْ أُبَلِّغَ كَلَامَ رَبِّي عَزَّ وَ جَلَّ )) ( 7 ) ، قال ابن كثير : و قد رواه أهل السنن الأربعة ، و قال الترمذي : حسن صحيح .










قال ابن إسحاق : و كان رسول الله صلى الله عليه و سلم على ذلك من أمره كلما اجتمع الناس في الموسم أتاهم يدعو القبائل إلى الله عز و جل و إلى الإسلام ، و يعرض عليهم نفسه ، و ما جاء به من الهدى و الرحمة . و لا يسمع بقادم يقدم مكة من العرب له اسم و شرف إلّا تصدّى له و دعاه إلى الله عز و جل و عرض عليه ما عنده .







3- أمكنة الدراسة كالمعاهد و المدارس و الجامعات سواءً كان ذلك عن طريق المحاضرات و الندوات العامة أم عن طريق الدروس الخاصة ، فإن المدرّس المخلص لدينه يستطيع أن يدعو إلى الله تعالى بمقاله من خلال إلقاء الدروس ، أو بحاله من العبادة و صدق المعاملة ، و نحو ذلك ، فإن المدرّس قدوةٌ لطلابه و أعمالُهُ و أخلاقُهُ تنطبع في أذهانهم ، و تظهر في أعمالهم و أخلاقهم .







 





~ الفصل الرابع ~





{ فيما ينبغي أن يكون عليه الداعي من الصفات و الأفعال }







مقام الداعي مقام قيادي هام ينبغي للداعي أن يقدره قدره ، و يوليه عنايته ، و لكي يتحقق ذلك فليراعِ ما يأتي :





1- الإخلاص لله تعالى في عمله ، بحيث يقصد بدعوته التقرّب إلى الله - عز و جل - و نصر دينه و إصلاح عباده بإخراجهم من ظلمات الجهل و العصيان إلى نور العلم و الطاعة ، فتكون دعوته نابعةً عن محبّةٍ لله عز و جل و لدينه و محبّةِ الخير لكافة البشر ، و الدعوة النابعة عن إخلاص مع القوّة و العزيمة و الاعتماد على الله لا بدّ أن تؤثّر و تعمل عملها .. ألا ترى إلى قصة موسى عليه الصلاة و السلام حين حُشِرَ الناس له ضحى يوم زينتهم و جمع له له فرعون كيده ثم أتى بأُبَّهته و عِزَّته و كبريائه ، قال لهم موسى : (( وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَ قَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى )) ( طه : 61 ) . فماذا فعلت هذه الكلمة ؟ إنها فرّقت كلمتهم و شتَّتت شملهم في الحال بدون تأخير (( فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ )) ( طه : 62 ) .







و التنازع أكبر أسباب الفشل و ذهاب الريح كما قال سبحانه : (( وَ لَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَ تَذْهَبَ رِيحُكُمْ )) ( الأنفال : 46 ) .







فإخلاص الداعي في دعوته لله تعالى أمر مهم بالنسبة لنجاحه فيها و ثوابه عليها ، أمّا إن قصد مراءاة الناس بذلك أو أراد شيئاً من الدنيا : مالاً أو جاهاً أو رئاسةً ، فعمله حابط و نفعه قليل ، قال الله تعالى : (( مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَ زِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَ هُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ ( 15 ) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَ حَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَ بَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ )) ( هود : 15 ، 16 ) .







و عن أبي هريرة - رضي الله عنه و أرضاه - قال سمعت النبي صلى الله عليه و سلم يقول : (( إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ ... - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَ فِيهِ : - ... رَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَ عَلَّمَهُ وَ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَأَتَى بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا ، قَالَ : فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا ؟ قَالَ : تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَ عَلَّمْتُهُ وَ قَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ ، قَالَ : كَذَبْتَ ، وَ لَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ لِيُقَالَ : عَالِمٌ ، وَ قَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ : هُوَ قَارِئٌ ، فَقَدْ قِيلَ ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ )) ( 8 ) رواه مسلم .







2- أن يعتقد أنه - بدعوته إلى الله تعالى - وارث لنبيّه محمّد صلى الله عليه و سلم في نشر سنته و هديه ؛ ليكون ذلك حافزاً له على اتباعه في الدعوة إلى الله تعالى و الصبر فيها و رجاء الثواب عليها و الدخول في قوله تعالى : (( قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَ مَنِ اتَّبَعَنِي )) ( يوسف : 108 ) .








3- أن يكون ثابتاً في دعوته إلى الله تعالى ، راسخ القدمين لا تزعزعه المضايقات ، و لا يحطمه اليأس ؛ لأنه واثق من صحة طريقته مؤمّل لنتيجتها ، فهو واثق من الحسنيَيْنِ مؤمّل للزيادة ، واثق من بيان الحق ، و ثواب الآخرة مع إخلاص النيّة ، و إصلاح العمل ، مؤمّل لصلاح الخلق بدعوته و لو بعد حين .







4- أن يصبر و يصابر ، فيصبر على ما يناله من أذى الخلق ؛ لأن من قام بهذه المهمة فلا بدّ أن يناله أذى من شرار الخلق المناوئين لدعوته - و ما أكثرهم - أذى قولي و أذى فعلي ، إمّا بالنيل منه ، أو بالنيل من دعوته ، و اعتبرْ ذلك بما جرى للنبي صلى الله عليه و سلم و لمن سبقه من الرسل الكرام (( وَ لَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَ أُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ )) ( الأنعام : 34 ) ، و الصبر درجة عالية لا تنال إلّا بالأسباب التي يتجرّع بها العبد مرارة الصبر و يتحمّل بها مشقته (( إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ )) ( الزمر : 10 ) ، و لْيصابرْ في بيان الحق و الدعوة إليه و المجادلة فيه و يتّسمْ بطول النَّفَس و بُعد النظر حتى تتحقّق له الغاية المنشودة .








5- أن يسلك طريق الحكمة في الدعوة إلى الله ، فيستعمل الأساليب المناسبة للحال و المقام ، فليس الناس سواءً في الفهم و العلم ، و ليسوا سواءً في لين الجانب و غلظه ، و ليسوا سواءً في التواضع للحق و الاستكبار عنه ، فليستعملْ مع كل شخص ما يناسبه ، و يكونُ أقربَ إلى قبوله و انقياده ، فإن هذا من الدعاء إلى الله بالحكمة ، و ليكن مرناً متحمّلاً فلا ينفرَنَّ من شخص رآه منحرفاً و يدعْه في ميدان انحرافه للشيطان ؛ بل يتصل به و يبيّن له الحق و يرغِّبه فيه فكمْ من إنسان اسْتُبْعِدَ أن يهتدي ثم هداه الله - عز و جل - و من الحكمة أن لا يجابه المدعوّ بإنكار ما هو عليه من باطل إذا كان ذلك يزيده نفوراً عن الحق و توغلاً في المنكر ، و قد أرشد الله إلى ذلك بقوله : (( وَ لَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ )) ( الأنعام : 108 ) ، و لكن يذكر له الحق و يرغّبه فيه حتى يتمكّن من قلبه فيسهل عليه ترك ما ألفه من الباطل ، فإن ترك المألوف صعب على النفوس ، و ليس من السهل أن يدعه الإنسان إلّا بمقاومة كبيرة ، و انظر إلى حكمة الله تعالى في تشريع تحريم الخمر حين كان مألوفاً عند الناس ، فكان تحريمه على مراحل بعد أن وقع السؤال من المؤمنين عنه :







المرحلة الأولى : في جواب سؤالهم (( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَ مَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَ إِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا )) ( البقرة : 912 ) ، لم يقل : منفعة ، بل قال : منافع ؛ ليشمل كل ما يكون أو يُتَصَوَّر من منفعة في ذلك ، و أن كل هذه المنافع تتصاغر في جانب الإثم الكبير فيه ، و هذا كشف لحقيقة الخمر ، و كل إنسان يتدبّر في أمره فسوف يُؤْثِرُ الإقلاع عنه ، و إن لم يكن محرماً عليه حيث علم أنّ إثمه أكبر من نفعه ، ثمّ إنّ في هذا التعبير تلميحاً بتحريمه فإنّ من قاعدة الشريعة أنّ ما ترجّحت مضرّته على منفعته كان حراماً ؛ فتستشعر النفوس بأنه سيحرم ، فإذا جاء التحريم صادف أنفساً مستعدّةً لذلك ؛ فسهل عليها قبوله .







المرحلة الثانية : المنع من قربان الصلاة في حال السكر (( يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَ أَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ )) ( النساء : 42 ) ، و هذا على أقل تقدير يشمل اجتنابه في خمسة أوقات في اليوم و الليلة فتعتاد النفوس على الامتناع منه في بعض الوقت ليسهل عليها الامتناع الكلي فيما بعد .








المرحلة الثالثة : المنع منه في جميع الأوقات و الأحوال في قوله تعالى في سورة المائدة و هي من آخر ما نزل (( يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الْأَنْصَابُ وَ الْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 90 ) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَ الْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ وَ يَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَ عَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ )) ( المائدة : 90 ، 91 ) . فانتهى الصحابة عن ذلك بكل يسر و سهولة بعد تلك التمهيدات لتحريمه ، فسبحان الحكيم الرحيم .








و بايعت ثَقِيفٌ رسول الله صلى الله عليه و سلم بشرط أن لا صدقة عليها و لا جهاد ، فقُبِلَ منهم و قال : (( سَيَتَصَدَّقُونَ وَ يُجَاهِدُونَ )) ( 9 ) رواه أبو داود ، و ذلك لأن الإيمان إذا دخل في القلب ؛ استلزم قيام المؤمن بجميع شرائع الإسلام ، و كلما كان الإيمان أقوى ؛ كان قيامه بواجبات الإيمان و مكمِّلاته أتمّ .








6- أن يكون الداعي عالماً بشريعة الله التي يدعو إليها و عالماً بأحوال من يدعوهم النفسيّة و العلميّة و العمليّة .








عالماً بشريعة الله ليدعو إلى الله على بصيرة و برهان حتى لا يُضِلَّ أو يُضَلَّ ، و ليكون داخلاً في قوله تعالى : (( قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَ مَنِ اتَّبَعَنِي )) ( يوسف : 108 ) ، و ليستطيع أن يدافع عن دعوته و يقنع خصمه ، و كم من داعٍ كان جاهلاً فحصل من المضرّة عليه و على ما يدعو إليه شيء كبير ؛ لأنه يُهْزَم أمام الباطل لقلّة ما معه من العلم بالحق ، و لهذا لا يجوز تمكين مثل هؤلاء الجُهَّال من الدعوة كما لا يجوز تمكين الصبيان من الجهاد .







عالماً بأحوال من يدعوهم النفسيّة و العلميّة و العمليّة ؛ ليستعدّ لهم و يسلك في دعوتهم ما يليق بأحوالهم ، و لهذا لمّا بعث النبي صلى الله عليه و سلم معاذاً إلى اليمن قال له : (( إِنَّكَ سَتَأْتِي أَقْوَاماً أَهْلَ كِتَابٍ )) ( 10 ) ، فأخبره بحال من بعثه إليهم من أجل الغرضين السابقين ، فإن الداعي إذا دعاهم و هو لا يعرف حالهم قد ينعكس عليه هدفه و قد يبدأ بغير المهم أو بغير الأهم و يترك ما هو أولى منه .







7- أن يكون الداعي على جانب كبير من الدين و الأخلاق ؛ ليكون قدوةً صالحةً في العلم و العمل ، فيقوم بما يأمر به من طاعة أو فضيلة ، و يبتعد عمّا ينهى عنه من معصية أو رذيلة ، فليس من الدين أن يأمر بشيء و لا يأتيه ، و أن ينهى عن شيء ثم يقع فيه .. قال تعالى : (( يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ ( 2 ) كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ )) ( الصف : 2 ، 3 ) .







و في الصحيحين و غيرهما عن أسامة بن زيد - رضي الله عنهما و أرضاهما - أنّ النبي صلى الله عليه و سلم قال : (( يُجَاءُ بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُهُ - يَعْنِي أَمْعَاءَهُ - فِي النَّارِ ، فَيَدُورُ بِهَا كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ بِرَحَاهُ ، فَيَجْتَمِعُ أَهْلُ النَّارِ عَلَيْهِ فَيَقُولُونَ : أَيْ فُلَانُ ، مَا شَأْنُكَ ؟ أَلَيْسَ كُنْتَ تَأْمُرُنَا بِالْمَعْرُوفِ وَ تَنْهَانَا عَنِ الْمُنْكَرِ ؟ قَالَ : كُنْتُ آمُرُكُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَ لَا آتِيهِ ، وَ أَنْهَاكُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ آتِيهِ )) ( 11 ) .







و كما أنّ مخالفته لما أمر به ، و وقوعه فيما نهى عنه مخالفة للدين ، فهي مخالفة للعقل أيضاً ، قال الله تعالى : (( أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالبِرِّ وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَ أَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ )) ( البقرة : 44 ) .







و ذلك أن دعوته إلى الشيء إمّا أن تكون عن اقتناع بفائدته و مصلحته ، فمخالفته حينئذٍ إمّا وقوع في ضرر إن كان ممّا ينهى عنه ، أو تفويت لمصلحة إن كان ممّا يأمر به ، و كلاهما خلاف العقل ؛ لأنّ العاقل لا يفوِّت على نفسه المصالح ، و لا يوقعها في المضارّ ، و إمّا أن تكون دعوته إليه لا عن اقتناع بفائدته و مصلحته و هذا أعظم ؛ لأنه أتعب نفسه فيما لا يراه مفيداً و تلبّس بثوب ليس هو من أهله ، و إذا كان قد دعا رياءً ؛ فقد غرّ نفسه و خدعها ؛ لأنّ أمره سيضمحلّ ، و حاله ستنكشف ، قال الله تعالى : (( فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَ أَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ )) ( سورة البقرة : 24 ) . قال الشاعر :





ثَوْبُ الرِّيَاءِ يَشُفُّ عَمَّا تَحْتَهُ ... فَإِذَا اكْتَسَيْتَ بِهِ فَإِنَّكَ عَارِي







و ليعلم الداعي أنّ تهاونه بطاعة الله ليس كتهاون غيره ؛ لأنه قدوة للناس ، فمتى رأوه متهاوناً صاروا مثله أو أشدّ تهاوناً منه ، و لذلك قد يكون الشيء المستحبّ واجباً في حق الداعي إذا توقف ظهور السنة على فعله إيّاه ، و كذلك تجرّؤ الداعي على معاصي الله ليس كتجرّؤ غيره ؛ لأن الناس يقتدون به فيها فيترتب على ذلك تعدّد المعصية و شيوعها بين المسلمين و إِلْفُهُمْ إيّاها ، فينقلب نُكْرُها عُرْفاً بسبب تجرّؤ هذا الداعي عليها ، و لذلك قد يكون الشيء المكروه حراماً في حق الداعي إذا كان فعله إيّاه يؤدّي إلى اعتقاد الناس إباحته ، فعلى الداعي أمانة ثقيلة و مسئولية كبيرة نسأل الله أن يعيننا جميعاً على القيام بها على الوجه الذي يرضيه عنّا إنه جوادٌ كريمٌ .








8- أن يكون الداعي وقوراً في هيئته و قوله و فعله بدون جفاء ؛ ليكون أهلاً للتوقير فلا يطمع فيه المبطلون ، و لا يستخفّه المخلصون ، يجدّ في موضع الجدّ ، و يمزح في موضع المزاح ، يتكلّم إذا كان الكلام خيراً ، و يصمت إذا لم يكن في الكلام خير .. و إلى جانب وقاره ينبغي أن يكون واسع الصدر ، منبسط الوجه ، ليِّن الجانب ، يألف الناس و يألفونه ؛ حتى لا ينفضّوا من حوله ، فكم من سعة صدر ، و بساطة وجه ، و لين جانب أدخلت في دين الله أفواجاً من الناس .




 



















ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ








( 1 ) كتب الشيخ - رحمه الله تعالى - هذه الرسالة بمناسبة حضوره للمؤتمر العالمي لتوجيه الدعوة و إعداد الدعاة المنعقد في الجامعة الإسلاميّة في المدينة من 24 - 29 / صفر / 1397 هـــ .





( 2 ) رواه البخاري ، كتاب الزكاة ، باب أخذ الصدقة من الأغنياء ... ، رقم ( 1496 ) ، و مسلم ، كتاب الإيمان ، باب الدعاء إلى الشهادتين و شرائع الإسلام ، رقم ( 19 ) .





( 3 ) رواه البخاري ، كتاب الجهاد و السير ، باب فضل من أسلم على يديه رجل ، رقم ( 3009 ) ، و مسلم ، كتاب فضائل الصحابة ، باب من فضائل علي بن أبي طالب ، رقم ( 2406 ) .





( 4 ) رواه مسلم ، كتاب الإيمان ، باب بيان أن الدين النصيحة ، رقم ( 55 ) .





( 5 ) رواه مسلم ، كتاب العلم ، باب من سنّ سنة حسنة أو سيّئة ... ، رقم ( 2674 ) .





( 6 ) رواه أحمد في (المسند) ( 3 / 492 ) .





( 7 ) رواه الترمذي ، كتاب فضائل القرآن ، باب ما جاء كيف كانت قراءة النبي صلى الله عليه و سلم ، رقم ( 925 ) ، و النسائي ، كتاب مناسك الحج ، باب بناء الكعبة ، رقم ( 2901 ) ، و أبو داود ، كتاب السنة ، باب في القرآن ، رقم ( 4734 ) ، و ابن ماجة ، في المقدمة ، باب فيما أنكرت الجهميّة ، رقم ( 201 ) .





( 8 ) رواه مسلم ، كتاب الإمارة ، باب من قاتل للرياء و السمعة ... ، رقم ( 1905 ) .





( 9 ) رواه أبو داود ، كتاب الخراج و الإمارة و الفيء ، باب ما جاء في خبر الطائف ، رقم ( 3025 ) .





( 10 ) رواه البخاري ، كتاب الزكاة ، باب أخذ الصدقة من الأغنياء ... ، رقم ( 1496 ) ، و مسلم ، كتاب الإيمان ، باب الدعاء إلى الشهادتين و شرائع الإسلام ، رقم ( 19 ) .





( 11 ) رواه البخاري ، كتاب بدء الخلق ، باب صفة النار ... ، رقم ( 3267 ) ، و مسلم ، كتاب الزهد و الرقائق ، باب عقوبة من يأمر بالمعروف و لا يفعله ... ، رقم ( 2989 ) .










الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الناصح الأمين

avatar

الدولة : الكويت

الخنزير
عدد المساهمات : 11
تاريخ التسجيل : 04/07/2013
العمر : 23
الموقع : awsat.forumarabia.com

مُساهمةموضوع: رد: رسالة في الدعوة إلى الله .. للشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى .   الثلاثاء يوليو 23, 2013 6:10 am





 








~ الفصل الخامس ~





{ في أسباب نجاح الدعوة }







نجاح الدعوة هو الثمرة التي يسعى إليها الدُّعاة ، و لولا ما يؤمّلونه من نجاح دعوتهم ؛ لانحطّت قواهم و تضاءلت دعوتهم ، و جدير بكل داع أن يعرف أسباب نجاح دعوته ؛ ليأخذ بها حتى يصل إلى النتيجة المُرْضِيَة ، فمن أسباب نجاح الدعوة :








1- تطبيق ما سبق في الفصل الثاني و الرابع .







2- أن يكون للدعوة سند من ذوي السلطة في الدولة ، فإن الدعوة و السلطة هما دعامتا إصلاح الأمّة ، فإذا التقتا و اجتمعتا ؛ تحقق بهما الهدف و المقصود بإذن الله ، و إن هما افترقتا ؛ ضاع المجهود أو ضعف إلى حد كبير ، لذلك يتحتّم على كل دولة تريد العزة الحقيقيّة الثابتة ، و التمكين في الأرض أن تأخذ بدين الله - عز و جل - و تسير على هدى رسوله صلى الله عليه و سلم مستغنيةً بذلك عن كل التعاليم و النُظُم التي لا تتفق مع دين الله تعالى و هدي رسوله صلى الله عليه و سلم ؛ لأنّ كلمة الله هي العليا و دينه هو الظاهر ، فمن أخذ بكلمة الله و دينه ؛ فسيكون له العلو و الظهور على كل من خالفه (( وَعْدَ اللهِ لَا يُخْلِفُ اللهُ وَعْدَهُ وَ لَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ( 6 ) يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَ هُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ )) ( الروم : 6 ، 7 ) .







و يتحتّم على كل دولة تريد العزّة الحقيقيّة الثابتة و التمكين في الأرض أن تنصر الدعوة إلى الله - عز و جل - بكل ما تستطيع من أسباب النصر القولية و الفعلية ترغيباً و ترهيباً ، فإن الله قد يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن ، و إذا ضعف الإيمان في قلوب الناس ؛ صار الوازع السلطاني أردع لهم عن المعاصي ، و أقوم لهم في الطاعات حتى يستقيموا و يصلحوا .







و كذلك يتحتّم على الدعاة إلى الله على بصيرة أن يتصلوا بذوي السلطة في الدولة ، و يرغّبوهم في السير على ما هم عليه من الحق و يبيّنوا لهم ما في ذلك من العواقب الحميدة و السعادة في الدنيا و الآخرة و يحذروهم من مخالفة ذلك و يبيّنوا لهم ما في مخالفة الحق من العواقب السيئة و الشقاء في الدنيا و الآخرة ، و يرغّبوهم كذلك في نصر الدعوة إلى الله تعالى بكل ما يستطيعون من أسباب النصر و يحذّروهم من خذلانها و فعل ما يقاومها و يضادّها .







3- أن تصادف الدعوة محلًّا قابلاً و منبتاً خصباً بحيث يكون المدعوّون مستعدّين لقبولها ليس عندهم من الموانع و الصوارف ما يحول بينهم و بين قبولها ، و أغلب ما يكون ذلك في قوم عرفوا نتيجة ما هم عليه من الباطل و صاروا يتطلعون إلى من ينتشلهم منه . و انظر إلى ما صادفته دعوة النبي صلى الله عليه و سلم من المحل المناسب ، و الوقت المناسب حين كانت على فترة من الرسل و انطماس من السُّبُل ، و الناس متشوّفون إلى نور الرسالة ، و متعطشون إلى ري غيثها ، فإن الله سبحانه نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم و عجمهم إلّا بقايا من أهل الكتاب ، فكانت بعثة النبي صلى الله عليه و سلم في الناس كمثل غيث نزل على أرض جافة يابسة قبلته و امتصّته و أظهر مثل على ذلك : ما جرى بين الأوس و الخزرج في حرب (بُعَاث) قبل الهجرة بنحو خمس سنين ، قتل فيه خلق كثير من الحيّين الأوس و الخزرج و من أشرافهم ، فكانوا في أمسّ الحاجة إلى ما يجمعهم و يُؤَلِّف بينهم ، و في صحيح البخاري عن عائشة - رضي الله عنها و أرضاها - قالت : كَانَ يَوْمُ (بُعَاثٍ) يَوْماً قَدَّمَهُ اللهُ عَزَّ وَ جَلَّ لِرَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ ، فَقَدِمَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ الْمَدِينَةَ وَ قَدِ افْتَرَقَ مَلَؤُهُمْ وَ قُتِلَتْ سُرَاتُهُمْ فِي دُخُولِهِمْ فِي الْإِسْلَامِ . ( 1 )








و ذكر ابن إسحاق أن النبي صلى الله عليه و سلم لمّا كلَّم مَنْ كلَّم مِنَ الخزرج في الموسم و عرض عليهم الإسلام فقبلوا ، قالوا : إنّا قد تركنا قومنا و لا قومَ ، بينهم من العداوة و الشر ما بينهم ، و عسى الله أن يجمعهم بك .







أمّا إذا كانت الدعوة في قوم في مستقبل الباطل سكروا في خمرته ، و بهروا بزخارفه ، و غروا بسرابه ، فإن نجاح الدعوة فيهم بطيء ؛ لأن تيّار اندفاع الباطل فيهم قوي كمثل الماء المحبوس إذا زال حابسه ، و لذلك يحتاجون إلى قوة عظيمة في الدعوة تقابل قوة ذلك التيار الجديد ، و تربو عليه ، و لْيَكُنْ ذلك بشتى الوسائل و على جميع المستويات ، و الله المستعان .








4- أن يكون لدى الداعي أمل كبير بعيد عن اليأس في نجاح دعوته ، فإن الأمل دافع قوي للمُضِيِّ في الدعوة و السعي في إنجاحها ، كما أن اليأس سبب للفشل و التأخر في الدعوة ، و لهذا تجد الله سبحانه يفتح لنبيّه صلى الله عليه و سلم أبواباً كثيرة من الأمل كقوله (( وَ ذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ )) ( الذاريات : 55 ) ، (( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَ دَينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ )) ( الفتح : 28 ) ، (( تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَ لَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ )) ( هود : 49 ) ، إلى غير ذلك من الآيات ، و انظر إلى أمل النبي صلى الله عليه و سلم الكبير و نظره البعيد في أشد يوم وجده من قومه ، و ذلك يوم رجوعه من الطائف حين دعاهم إلى الله تعالى ، فردُّوا دعوته و أغروا سفهاءهم ، فلمّا بلغ قرن الثعالب ناداه جبريل عليه السلام فقال : إن الله قد سمع قول قومك و ما ردّوا عليك ، و قد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم ، قال النبي صلى الله عليه و سلم : (( فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ فَسَلَّمَ عَلَيَّ ثُمَّ قَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، ذَلِكَ فِيمَا شِئْتَ ، إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الْأَخْشَبَيْنِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ : بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً )) ( 2 ) .








فالأمل دافع قوي للمضي في الدعوة و السعي في إنجاحها و الاستمرار عليها .








نسأل الله تعالى أن يجعلنا دعاةً إلى الخير نُهاةً عن الشر ، و أن يهيِّئ للأمة الإسلامية من أمرها رشداً قادةَ خيرٍ و رشد ، و ولاةً صالحين مُصْلِحِينَ يقضون بالحق و به يعدلون ، إنه جوادٌ كريمٌ ، و الحمد لله رب العالمين ، و صلى الله و سلم على نبينا محمد و على آله و صحبه أجمعين .








حُرِّرَ في 19 - 22 / 1397 هـــ




 





ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ








( 1 ) رواه البخاري ، كتاب مناقب الأنصار ، باب مقدم النبي صلى الله عليه و سلم و أصحابه المدينة ، رقم ( 3930 ) .





( 2 ) رواه البخاري ، كتاب بدء الخلق ، باب ذكر الملائكة ، رقم ( 3231 ) ، و مسلم ، كتاب الجهاد و السير ، باب ما لقي النبي صلى الله عليه و سلم من ... ، رقم ( 1795 ) .








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
black_h0pe

avatar

الدولة : الجزائر

الديك
عدد المساهمات : 23
تاريخ التسجيل : 21/07/2013
العمر : 24
الموقع : www.zoui.ii.ma

مُساهمةموضوع: رد: رسالة في الدعوة إلى الله .. للشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى .   الثلاثاء يوليو 23, 2013 12:41 pm

بارك الله فيك على الموضوع

الجميل من كل المقاييس

في انتظار جديدك
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
MeHdI♥Y

avatar

الدولة : لبنان

الحصان
عدد المساهمات : 35
تاريخ التسجيل : 02/08/2013
العمر : 27
الموقع : www.ahlatat.com

مُساهمةموضوع: رد: رسالة في الدعوة إلى الله .. للشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى .   الجمعة أغسطس 02, 2013 3:42 pm

پآرگ آلله فيگ و چزآگم ألف خير و گتپهآ في ميزآآن حسنآتگ إن شآء آلله
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
رسالة في الدعوة إلى الله .. للشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى .
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
proo-star :: المنتديات الإسلامية على مذهب السنة و الجماعة :: القسم الاسلامي العام-
انتقل الى: